محمد جمال الدين القاسمي

84

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القرآن شاهد ممن كان على بينة من ربه . يعني من آمن من أهل الكتاب كعبد اللّه بن سلام ، وشهادتهم على أنه حق لا مفترى ، لما يجدونه مكتوبا عندهم ، و ( يتلو ) من التلاوة ، فتكون الآية كقوله تعالى : وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ [ الأحقاف : 10 ] - واللّه أعلم - . الثالثة - ( الأحزاب ) جمع حزب . والحزب جماعة الناس . ويطلق ( الأحزاب ) على من تألبوا على حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكذا كل نبيّ قبله ، وهو إطلاق شرعيّ ، وعليه حمل الأكثر الآية ، لكون السورة مكية . إلا أن اللفظ يتناوله ، وكل من شاكلهم من سائر الطوائف . و في صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه ؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده ! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، يهوديّ أو نصرانيّ ، ثم لا يؤمن بي ، إلا دخل النار . قال سعيد : كنت لا أسمع بحديث من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على وجهه ، إلا وجدت مصداقه في القرآن ، فبلغني هذا الحديث ، فجعلت أقول : أين مصداقه في كتاب اللّه ؟ حتى وجدت هذه الآية وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ قال : الملل كلها . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 18 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 18 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً كقوله للملائكة ( بنات للّه ) ، وللأصنام شفعاء عند الله أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ أي يساقون إليه سوق العبيد المفترين على ملوكهم ، وَيَقُولُ الْأَشْهادُ من الملائكة والنبيين والجوارح : هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ لظلمهم بالكذب على اللّه . قيل : ولا يبعد أن تكون الآية للدلالة على أن القرآن ليس بمفترى ، فإن من يعلم حال من يفتري على اللّه كيف يرتكبه ، كما مر في يونس في قوله تعالى : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ [ طه : 69 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 19 ] الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 19 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن دينه القويم ، كلّ من يقدرون على صده